الأحد، 25 ديسمبر 2016

تنويم العقول بـ "أثبتت دراسة"


لم أقم بدراسة مثبتة أو غير مثبتة لكني متيقن أني مللت عبارة "أثبتت دراسة" التي تهيئ لمرحلة التنويم الاستهتاري بعقول الناس، فهل أطبق عليكم الملل مثلي أو أننا بحاجة لدراسة -سواء أجريناها أم تخيلناها- نخرج بعدها ونقول: "أثبتت دراسة حديثة" أننا جميعاً مالّون؟
لو طلبت من محرك بحث ما (قوقل مثلاً) أن يستدعي لك عبارة "أثبتت دراسة" لوجدت أن هناك ما يناهز مليون نتيجة لبحثك بهذه العبارة، فضلاً عن بقية العبارات الأخرى نحو "أثبتت الدراسات، حذرت بعض الدراسات، تشير دراسة حديثة..." بل وناهيك عن وجود أضعاف هذا الرقم مما يستطيع أن يستدعيه المتخصصون في علوم المكتبات الرقمية بأدواتهم وتقنياتهم واستراتيجياتهم الخاصة كالكلمات المتحكمة (Thesaurus) والقيم المنطقية (Boolean) وغيرهما. الملاحظ هنا أنك عندما تطارد شوارد هذه الأخبار تجد أن كثيراً من تلك الروايات يفتقد إلى الإحالة المرجعية. بمعنى أخر: اسم الباحث لا يكاد يذكر، واسم المؤسسة التعليمية أو المركز البحثي لا يكاد يشار إليه، ومجلة النشر أو المؤتمر لا يبدو في الصورة... بل تتبسم لك تلك الكلمات الرنانة وغالباً ما تكون صفات على نحو: "غربية، أجنبية، أمريكية، بريطانية، حديثة..." مما يجعلك تغلف لهم عقلك في صندوق النشوة أو الانبهار وتضعه بين أيديهم.
كثير من هذه الأخبار يثار لأغراض معينة. فالبعض منها ليس إلا غباراً ثائراً لمعركة التناحر التجاري بين بعض المنتجين أو المستوردين لسلعة ما، فيضرب بعضهم البعض بأخبار لا أساس لها من الصحة يسوقونها للمستهلك "الغلبان" تحت مظلة "أثبتت دراسة"، ومع تطور التقنية ووسائل التواصل تتفرقع هذه الدراسة بين الناس. بعض هذه الأخبار يهدف إلى تثبيت بعض الرؤى التي يشعر أصحابها بأنهم بحاجة إلى متكأ ما يلوذون به. ومن أمثال هؤلاء بعض المبالغين في موضوع الإعجاز القرآني، حيث تجد أحدهم يزعم أن دراسة ما في علوم الفلك أو الأحياء أجريت في الغرب فوجدوا كذا وكذا، وخروا سجداً وبكياً. وللأسف عندما تضرب بطون الإنترنت وتركب ظهور المواقع الإلكترونية بحثاً عن هذه الأخبار تعود خائباً، وربما وجدت نقيض ما يقولون. وهذا النوع من أسوأ الدراسات التخيلية؛ لأن كثيراً منها -وإن يكن بحسن نية أحياناً- يسعى لتعزيز قيمة دينية ما، ولكن الإسلام في غنى عن أن نتزيد فيه بهذا النوع من التخاريف، بل إن ضررها أكثر من نفعها. بعض الدراسات المزعومة تشعر بأنها قد فصلت لنا تفصيلاً لتناسب قضايانا، فتجد أحدهم يزعم أن دراسة غربية أثبتت أن المرأة التي تقود السيارة يصيبها الكاروشي الياباني (Karoshi) أو أن المرأة التي لا تطبخ "الكبسة" جيداً لزوجها ينبت في أطرافها ما يشبه حبات الرز. ونوع آخر من الدراسات لا يسعى إلا إلى الإثارة وتنشيط خلايا الفضول والاستغراب لدى المتلقي، ليس وراء ذلك إلا أشخاص لا يشغل وقت فراغهم إلا نشر مثل هذه الأباطيل.
عندما تردك مثل هذه الأخبار من غير متعلم، فإنك قد (بل يجب أن) تعذره، لكن تياراً من الصدمات يتردد إليك عندما ترى أساتذة في الجامعات يتناقلون مثل هذه الأخبار من فئة "أثبتت دراسة". أين ما تعلمتموه في مراحل التعليم العالي من وجوب التوثيق؟ أو أن هذا مثال آخر على أن لدينا أصلاً مشكلة في تعليمنا العالي الذي لم يلحم في أذهاننا أخلاق البحث العلمي وأعرافه؟ هل أصبحنا في حاجة إلى علم "تخريج الأخبار/الدراسات" على غرار تخريج الحديث؟ هل هي حيلتنا منذ زمن؟ فعندما كان القدامى في حاجة للاستدلال كذبوا على الرسول -صلى الله عليه وسلم- ووضعوا الأحاديث حتى بلغوا بالأحاديث فضل البطيخ والكرفس، واليوم يكذب الناس على العلم والعلماء بـ "أثبتت دراسة" على منوال "حدثني فلان عن فلان".
إن من واجب المتخصصين أن يتصدوا لمثل هذه الترهات، كل في مجاله العلمي، وإن يكن -مع الأسف- كثير من الناس ينزلق وراء عاطفته وثقته وحسن ظنه، ولكن إن لم نرفع قليلاً من مستوى وعينا، فستستمر هذه البساطة -بل السذاجة- في التعامل مع مصادر المعلومات.
يحيى الظلمي
٦ مارس ٢٠١٦، أمريكا